محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )
359
الأصول في النحو
وحكى سيبويه عن العرب : لا كزيد أحد ولا مثله أحد فحمله على الموضع والموضع رفع ، وإن شئت حملته على ( لا ) فتونته ونصبته ، وإن شئت قلت : لا مثله رجلا على التمييز كما تقول : لي مثله غلاما قال ذو الرمة : هي الدّار إذ ميّ لأهلك جيرة * ليالي لا أمثالهنّ لياليا « 1 »
--> ( 1 ) على أنّ " زائرا " قيل منصوب على تقدير فعل ، أي : لا أرى كعشية اليوم زائرا . وإنما لم يجعل الكاف اسما ل " لا " مضافا إلى العشيّة ويكون زائرا عطف بيان للكاف تبعه على اللفظ أو صفة على طرز البيت الذي قبله ، لأنّ الزّائر غير العشية ، فلما كان الثاني غير الأوّل لعدم صحّة الحمل جعلت " لا " نافية للفعل المقدّر دون كونها نافية للجنس . وصاحب هذا القيل هو سيبويه ، وهذا نصّه : وأما قول جرير : لا كالعشيّة زائرا ومزورا فلا يكون إلّا نصبا ، من قبل أنّ العشيّة ليست بالزائر ، وإنما أراد لا أرى كالعشيّة زائرا ، كما تقول ما رأيت كاليوم رجلا ، فكاليوم مثل قولك في اليوم لأنّ الكاف ليست باسم . وفيه معنى التعجّب كما قال تاللّه رجلا ، وسبحان اللّه رجلا ، إنّما أراد تاللّه ما رأيت رجلا وسبحان اللّه ما رأيت رجلا ؛ لكنه يترك إظهار الفعل استغناء ، لأنّ المخاطب يعلم أنّ هذا الموضع إنّما يضمر فيه هذا الفعل لكثرة استعمالهم إيّاه انتهى . قال الأعلم : أصله لا أرى زائرا ومزورا كزائر العشيّة ومزورها ، فحذف اختصارا للعلم ، كما قالوا : ما رأيت كاليوم رجلا ، أي : كرجل أراه اليوم . ولا تجيزن في هذا رفع الزائر ، لأنّه غير العشيّة ، وليس بمنزلة لا كزيد رجل ، لأنّ زيدا من الرجال انتهى . وقد نقل أبو العباس ثعلب في " أماليه " قاعدة لحذف الفعل مع الظرف الزمانيّ ، قال : حكى الكسائيّ نزلنا المنزل الذي البارحة ، والمنزل الذي آنفا ، والمنزل الذي أمس . فيقولون في كلّ وقت شاهدوه من قرب ، ويحذفون الفعل وحده كأنّهم يقولون : نزلنا المنزل الذي نزلنا أمس ، والذي نزلناه اليوم ؛ اكتفوا بالوقت من الفعل ، 7 ذ كان الوقت يدّل على الفعل وهو قريب . ولا يقولون الذي يوم الخميس ، ولا الذي يوم الجمعة . وكذا يقولون : لا كاليوم رجلا . ولا كالعشيّة رجلا ، ولا كالسّاعة رجلا ، فيحذفون مع الأوقات التي هم فيها . وأباه الفرّاء مع العلم . وهو جائز وأنشد : لا كالعشية زائرا ومزورا وكلّ ما كان فيه الوقت فجائز أن يكون بحذف الفعل معه ، لأنّ الوقت القريب يدل على فعل لقربه . انتهى . وقد قدّر أبو عليّ الفارسيّ في " المسائل المنثورة " فعلين ، قال : نصب زائرا لأنّ الفعل مقدّر ، فكأن تقديره : لا أرى زائرا ومزورا له كرجل أراه العشيّة . فنصبه على الفعل وحذف ذلك لما في الكلام من الدّلالة عليه .